في خدر الذاكرة الوطنية

مقدّمة

أيّها التونسي العظيم، أيّتها التونسية العظيمة، أيّها الشعب الفخور بثلاثة آلاف سنة من الحضارة الضاربة في أعماق التاريخ، هل تذكر اسم آخر بايات تونس؟ لا ألف عام و لا ألفين إلى الوراء، بل بعض عشرات السنين التي لا تتجاوز المائة. هذا التاريخ بالذات، تاريخ البايات، لماذا يستعصي على ذاكرتنا إلى هذا الحدّ؟ عفوا، هذه الأسماء غير مبرمجة بالذاكرة.. فقد قضت المحكمة البورقيبية برميها في غياهب النسيان. و لكن لماذا؟ إن كان تاريخهم مشوّها لهذا الحدّ فإنّ فيه عبرة لنا. مالذي يجعل الذاكرة التونسية متناقضة إلى هذا الحدّ؟ تذكر من التاريخ حقبات و تنسى أخرى؟ تذكر أسماء و تنسى أخرى؟ محمّد المنصف باي، محمّد الناصر باي، محمّد الأمين باي، حسين بن علي باي.. ماذا نعرف عن هؤلاء؟  لا شيء.. بايات.. أو ملوك.. قيل لنا في كتب التاريخ أنهم أغرقوا البلاد في الفساد حتى حلّت بنا كارثة الإستعمار الفرنسي… هذه الذاكرة مستفزة  لا تذكر للبعض سوى المساوئ و لا تذكر للبعض الآخر سوى المناقب. خذ بورقيبة مثالا، فئة كبيرة لا تذكر إلّاه، الصورة و الصوت و الكاريزما و الهيبة. خلّص تونس من مستعمريها و بنى الدولة و “حرّر المرأة” و … يذهب البعض إلى أبعد من ذلك فيتذكرون تفاصيل أدقّ من تلك بكثير، يتذكرون كيف وجدهم شعثا غبرا فعلمهم كيف يمشطون شعورهم و ينظفون أسنانهم و إلى غير ذلك (فهمت الحاصل معناها)… بورقيبة رجل الدولة المثالي الذي لم يأت التاريخ بمثله، سيّد الذاكرة التونسية بامتياز…  كيف لا؟ و هو الذي أراد أن يسيطر على التاريخ حتى لا يخلّد سواه فتلطّخت يداه بتواريخ… لقد تغافل عن حقيقة أن التاريخ يبعث من جديد… و كلّما طمرته أكثر، كلّما تزايدت أفواج الباحثين عنه.

أيّها الشعب العظيم، يا توانسة يا الي ظلموكم، خذوا كتب التاريخ المدرسية بقوّة و احرقوها في المزابل و تعالوا نعتذر سويّة لأنفسنا عن سنوات الضياع و الإنصياع… تعالوا نتصالح مع هويّتنا، تعالوا نبحث عن أنفسنا… من نفس المنطلق علينا أن نعترف بأن بورقيبة، مؤسّس الجمهورية التونسية و أول رؤسائها، كان سياسيّا فذّا لا ينكر دوره في بناء أسس الدولة التونسية الحديثة… إلاّ أنه يصعب على المتأمّل في طيّات التاريخ التمييز بين سياسته و سياسة المستعمر الفرنسي… بورقيبة الذي يؤمن بتقديم الدّم قربانا للتاريخ كي يخلّد اسمه، اتّخذ من التصفية مذهبا له… لا مكان لمعارضيه و لمنافسيه… لا مكان لأسماء قد تطفئ صورة جهاده الأكبر و وطنيته المثلى. لأجله تبجّحت اليد الحمراء الفرنسية باغتيال الزعيم الشهيد فرحات حشّاد، حتى لا تتخلّى فرنسا عن تونس إلا لصديق لها، على حدّ قول أحد قتلة حشّاد.. فأمضى بقيّة حياته في قصف حياة كلّ من يخالفه بدأ بكبار زعماء الحركة الوطنية و رفيق دربه الزعيم صالح بن يوسف و من ثمّ أحكام الإعدام و السجن لليوسفيين و التنكيل بكلّ معارض أو فكر مختلف فكان التهجير و السجن لليساريين و الإسلاميين و النقابيين ( وكان والدي أحدهم).. كلّ هؤلاء كان بورقيبة يصفهم بالجراثيم و الحيوانات. هذا جزء من معارك بورقيبة التي خاضها ضدّ التاريخ بعد إعلانه للجمهورية التونسية بدل النظام الملكي في 25 جويلية 1957. يومئذ سقط عرش البايات الحسينيين الذين حكموا الدولة التونسية طيلة قرنين و نصف شرّ سقوط. كان بورقيبة الوزير الأول في حكومة الإستقلال تحت حكم محمّد الأمين باي آخر بايات تونس، إلى تاريخ إعلان الجمهورية، يوم قرّر بورقيبة أنه يجب أن يحلّ محلّ الباي، مع اختلاف المسمّيات. لم يكن ثمّة استفتاء شعبي بمقتضاه يلبّي بورقيبة رغبة الشعب في إسقاط المملكة، بل تلقّى الشعب العظيم الخبر في الراديو… و كان قدر هذا الشعب أن يتلقّى كلّ ما يمليه بورقيبة و ما يأتي به بما في ذلك خليفته، زين العابدين بن علي المنقلب على سيّده شرّ انقلاب… تلك أيّام يداولها الله بين الناس.. و لكن الذين ظلموا لا يعلمون أي منقلب ينقلبون، فقد ظنّ بورقيبة أنه استفرد بالتاريخ عندما انقلب على الأمين باي و نفاه في إقامة إجبارية بمنوبة و نكّل بذويه.. الأمين باي الذي طالما أغضب فرنسا باحتوائه لرموز الحركة الوطنية.. كتب أبناؤه و أحفاده شهادات آسرة عن نكران بورقيبة لفضله وعن شرّ ما فعله بهم ليمحو أثرهم من الذاكرة التونسية. أحد هذه الشهادات، كتاب فيصل باي أحد أحفاد الأمين باي، بعنوان “آخر الجواري” الذي يروي فيه حقائق لا تتعارض مع روايات الشاهدين  عن أسرار البلاط الحسيني منذ عهد الناصر باي إلى الأمين باي و من ثمّ بورقيبة رئيسا، من خلال شخصيّة جدّته صفيّة باي الشاهدة على العصر منذ 1918…

فاصل

أنا لا أنحدر من العائلة الملكية مثلا حتى تكون غايتي من التدوينة ردّ الإعتبار لمجد عائلتي الضائع( هههه) أو تمجيد الملكية و ما إلى ذلك… إنّما أجدادي “فلاّقة” مرابطون في الجبال عاشوا و ماتوا و هم لا يعرفون لا شكل البايات و لا مدن البايات … يؤمنون فقط بقدسيّة التراب و بالذود بأنفسهم عنه… دون مقابل، دون وعود.. فقط لأجل الوطن… الوطن الذي لا يعرفون منه سوى التراب و السماء.

و عليه فإنّ تدوينتي هذه مفرغة تماما من الدفاع المستميت عن البايات أو من الحقد على بورقيبة… إنّما هي حصيلة بحث بريء منذ أيّام عندما تصفّحت أحد دفاتري المدرسية التي لازلت أحتفظ بها، سألت نفسي مالذي أذكره من كلّ هذا التاريخ الذي درسته و تاريخ تونس على وجه الخصوص؟ لا أذكر شيئا غير بورقيبة و فضله على التونسيين و الدولة التونسية… أتعبت نفسي فيما بعد عتابا على تقصيرها في الإهتمام بتاريخها… و هذي خلاصة العتاب…

الخلاصة

(أنا أيضا لا أعرف أين ذهب الجوهر…  يبدو أنّه انتفض غاضبا بعد أن غيّب من التاريخ طيلة هذه العقود… دعوه يغضب… دعوه يثور)

الخلاصة يا كرام هي قراءة للتاريخ تتجاوز الأبيض و الأسود… قراءة بعيدة عن القراءات الديكتاتورية المهمّشة… هؤلاء البايات  تداولوا على حكم الدولة التونسية منذ 1705م إلى 1957م… أيعقل أن لا نجد من كلّ هؤلاء ملكا صالحا؟ بلى… ففي فترة حكمهم كانت تونس أوّل بلد عربي يلغي العبودية منذ 1846 و يصدر أول دستور باسم عهد الأمان ليحمي جميع سكّان تونس مهما كانت دياناتهم وأجناسهم وجنسياتهم فجاءت مادته الأولى قاضية بـ :” تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأموالهم المحرمة وأعراضهم المحترمة إلا بحق يوجبه نظر المجلس بالمشورة ويرفعه إلينا، ولنا النظر في الإمضاء أو التخفيف ما أمكن أو الإذن بإعادة النظر.. كان ذلك عام 1857.. أي قبل ما يزيد عن قرن من دستور 1959… الدولة التونسية برمّتها أسّسها البايات.. ألا يخطر لكم أن تتساءلوا عن تاريخ العلم التونسي مثلا؟ في عهد البايات كان للدولة التونسية مجلس للشورى مكوّن من ستّين عضوا يرأسه مؤسّسه خير الدين باشا سنة 1861 .. في نفس الفترة قسّمت الدولة التونسية أراضيها على الفلاحين ليزرعوها زيتونا و نخلا.. في عهد البايات أسّست المدرسة الحربية بباردو (1840) و كان للملكة التونسية بحريّة حربية و جيشا وطنيّا مكوّنا من الاهالي و ليس من الأتراك (فترة حكم أحمد باي 1806-1855).. في عهد البايات تمّ تأسيس أول بنك في العالم العربي و الشرق الأوسط لإصدار العملة الورقية سنة 1847 إذ لم يظهر بنك في مصر إلا سنة 1856 و في إسطنبول سنة 1863…في عهد البايات كانت تونس دولة تشنّ حروبا ضدّ من يعتدي على حرمتها، ففي فترة حكم حمّودة باشا باي أعلنت الحرب على البندقية عام 1784 بسبب استيلاء مجموعة من الإيطاليين على مركب تجاري تونسي و حرقه بحجّة ان تونس كان فيها طاعون و انتهت الحرب بانتصار تونس عام 1792 و انتصارها في حرب على طرابلس بعد هجوم الوالي العثماني علي برغل عليها عام 1793 و انتصارات اخرى على الجزائر انتهت بالاستقلال التام للدولة التونسية و بسيادتها التامة سنة 1807… من ثمّ ظهر مصطلح “الأمّة التونسية” كدليل على قوّة هذه الدولة… هذه نبذة من الإنجازات التي فصّلها المؤرخون و على رأسهم أحمد بن أبي الضياف في تحفة استغرق في كتابتها عشر سنوات و هي كتابه الشهير ” إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان“… في عهد البايات   كان جامع الزيتونة منارة للعلم و مصنعا للنبوغ.. كانت تونس تصدّر العلوم الشرعية و لم تكن تعاني من هذا القحط الذي خلّف عقولا متحجّرة متعصّبة، ما جعلها تتصدّر قائمة مصدّري المتشدّدين … في عهد البايات كانت المدرسة الصادقية منهلا  للعلوم الصحيحة و اللغات و بفضلها تكوّنت نخبة المفكّرين  الذين اضطلعوا بنهضة البلاد.. المدرسة الصادقية التي أسسها خير الدين باشا عام  1875 هي المدرسة التي درس فيها الحبيب بورقيبة …

بغضّ النظر عن إنجازات البايات و مناقبهم، يجب أن نقرّ بأن انتماءنا لتونس 2016 هو نفسه انتماؤنا لتونس 1957 و لتونس 1705 و لتونس في كلّ زمان و بالتالي فإن نظرية الجحود بالجميل للسابقين لا تعود على صاحبها إلا بتشوهات فكرية و بعقم في الذاكرة. علينا أن نتصالح مع تاريخنا و أن نتخلّص من الحقد الذي زرع فينا على مدى السنين الماضية على ماض نحن به في الحقيقة جاهلون… إنّ جمهورية بورقيبة لم تغيّر عبادة الشعب للحاكم و لا سطوة الأسرة الحاكمة على ثروات البلاد و استئثارها بها إن كانت تلك حجّة من يشيطنون العائلة الحسينية… تختلف المسمّيات و تبقى الممارسات

فإذا ما تخلّينا عن الأحكام المسبقة المبنية على المجهول يمكننا التعرف على شخصيّة وطنيّة فريدة كشخصيّة محمّد المنصف باي… شخصيّة لم تحكم الدولة التونسية سوى عشرة أشهر و رغم ذلك  خلّدها التاريخ تلقائيا رغم تغييب بورقيبة لها من قواميس المراجع الوطنية… سنة 2012 تمّت إعادة الإعتبار لشخصيّة المنصف باي في قصر قرطاج من قبل الرئيس محمد المنصف المرزوقي و انتظمت محاضرات تكلّم فيها العارفون و الشاهدون عن نضالات هذه الشخصية الوطنية.. في نفس السنة تمّ تدشين أول شارع يحمل اسمه في ضاحية المرسى لعلّ أحدهم يسأل يوما من هو المنصف باي

محمّد المنصف باي (1881-1948) لم يكن مجرّد حاكم تمجّد خصاله، بل كان صاحب مشروع وطني تحرّري مازلنا نطالب إلى اليوم بما جاء فيه. اعتلى العرش سنة 1942 و خلعته فرنسا منه في 14 مايو 1943، نفته إلى صحراء الأغواط في الجزائر ثم شمالا إلى مدينة تنس ثم إلى مدينة بو الفرنسية. استفزّ المنصف باي فرنسا فور تسلّمه مقاليد الحكم عندما كتب رسالة إلى حكومة “فيشي” يطالبه فيها باحترام السيادة التونسية و حرمة الفرد التونسي و الوطن التونسي. ولّى الأستاذ محمّد شنيق رئيسا للحكومة التي تألفت أغلبيتها استثنائيا من وزراء و كوادر تونسيين… و .كانت تلك أول حكومة تبدأ التفاوض حول الإستقلال الداخلي لتونس.

المنصف باي الرجل الذي طالب بالمساواة في الأجور بين التونسيين و الفرنسيين، صديق الزعيم حشّاد، صديق الشعب، عدوّ الإستعمار .. الرجل الذي قاطع المقيم العام الفرنسي طيلة أشهر… كان ذلك عندما قدّم له المقيم “استيفا” مقترح الحكومة فكانت مؤلّفة من أغلبية فرنسية فقال له كما يروي أحمد بن صالح ” كلّهم جون و بول و بيير؟  وينهم التوانسة؟” فردّ عليه المقيم بفرنسيته المستفزة بأنّ الفرنسيين هنا و سيبقون هنا فما كان من المنصف باي إلا أن رفض استقباله حتى اعتذر المقيم بأمر من السلطات الفرنسية.

FullSizeRender

IMG_9699IMG_9701

المنصف باي الرجل الذي هابته أمريكا في حربها ضدّ المحور، فبعث له رئيسها “روزفلت” رسالة شخصيّة يطلب فيهامساندة الحلفاء، عندما غزى الألمان تونس ملاحقين فرنسا فحلّ بها مستعمران في آن و أضحت ساحة اقتتال بين القوتين… آنذاك كانت الدول العظمى تتوجه إلى السلطات الإستعمارية إلا أن شخصية المنصف باي فرضت احترام أعتى الدول قوة و الممتع في الأمر برمّته هو رفض المنصف باي لطلب”روزفلت” و تمسّكه بالحياد في صراع المحور و الحلفاء.

IMG_9708

IMG_9710

المنصف باي، أو “سيدي” المنصف باي كما يحلو لمحبيه الصادقين بأن يسمّوه، الملك الشهيد و “الباي الدستوري” و أيضا “باي الشعب”، إذ كشف الأستاذ التميمي عن رسائل في الأرشيف الوطني يبلغ عددها 261 رسالة من مواطنين من كلّ تراب تونس يشتكون إليه المظالم و شظف العيش.. المنصف باي الحاكم الذي فرض إجباريّة التعليم  و ألغى عادة تقبيل اليد و عوّضها بالمصافحة… كان ملكا إنسانا وطنيّا و مخلصا لوطنه و شعبه، و لذلك أزاحته فرنسا عن عرشه و نفته و قصفت آمال شعبه آنذاك.

أسئلة

يبدو أنني سأتوقف عند هذا الحدّ…أتعبتني هذه التدوينة التي جعلتني أبحث عن تاريخ رموز بلدي بين المراجع و الشهادات النادرة.. لعمري إنّ هذا التناقض  الذي نشأنا عليه في المدارس لمخز..  تعلّمنا من التاريخ أن نقدّس رجلا واحدا استفرد بنهضة البلاد مع بعض الأسماء هنا و هناك لملإ الفراغات …

لماذا لم يقم الفنانون التونسيون بأي عمل درامي أو سينمائي يحكي عن تاريخ قائد كالمنصف باي طيلة السنوات الماضية؟ لماذا يفعلون ما في وسعهم لاستئصال روح هذا الشعب و  تشويه هويّته؟ متى سنتصالح مع تاريخنا؟ متى سنكتبه من جديد ؟ ما مصير الأجيال القادمة إن كانت التي قبلها متخاصمة مع ماضيها؟

أسئلة كثيرة… هل من جواب؟

مراجع

وثائق عن مؤسسة التميمي

المنصف باي، الملك الشهيد لعمار الخليفي

إتحاف أهل الزمان لابن ابي الضياف

آخر الجواري لفيصل باي

محاضرات للتميمي و أحمد بن صالح بقصر قرطاج

شهادات لكل من المؤرخين علية عميرة الصغير و الحبيب الهدلي و سعيد المستيري

وثائقي عن الأرشيف الوطني لمؤسسة الإذاعة و التلفزة

إلخ إلخ ….. ……..إلخ

قد يتبع

Advertisements

أربعة و عشرون

أربعة و عشرون…
عشرة ثم عشرة و أربعة اخر اكتملت اليوم.. هي سنين عشتها.. هي سنين عمري.. أقرأ بمحض صدفة مفتعلة، ” عن شبابه فيما أبلاه و عن عمره فيما أفناه” كانت البداية رقما، مجرد رقم، ثم صار الرقم عددا و ها قد كبر العدد.. عشت الكثير! أقول فتضحك مني أمي. يربكني العدد قليلا.. لكنه جميل..

أربعة و إثنان.. ولدت الأربعة من ضعف الاثنين ثم اكتفت الاثنين بأن تكون القاسم المشترك الاكبر بين الرقمين و الرقم  الأوّلي الخصب الذي تنجب منه بقية الارقام كل الاعداد الزوجية.. هكذا قرأت عمري على ضوء ما كتبته كل الارقام التي كنتها و الاعداد التي بلغتها.. أحببت الرياضيات.. درستها.. تخصصت فيها.. استهوتني الارقام.. استفزتني.. اتعبتني.. تخاصمنا مرارا حتى انتصر كلانا على الاخر.. ثم ولد صفر على يمين الاثنين …

جاءت الحياة بوجه جديد.. كان ذلك مباغتا.. كلحظة تحوّل اليرقة إلى فراشة.. أو تدري اليرقة أنها قد تصبح فراشة؟ سنتيمرا بسنتيمتر، لحظة بلحظة تعيش بين العشب و الحجر و الشجر و البشر، تسير و تسير حتى إذا ما ظنت أنه ما عاد من مسير، انبثقت لها أجنحة و طارت

… طارت حيث الأشجار البعيدة في أعالي الجبال…

الأشجار البعيدة عن الحطابين، عن الصيادين…

طارت و تقاذفتها فلوات الريح و انتهت الفراشة و سُمّيت النهاية نضجا. زالت الأجنحة الهشة و بقيت فكرة الطيران…

 أنا التي كان يرفّ قلبي عندما كنا نلعب الغميضة صغارا و نغنّي “عصفور فوق الشجرة يعد حتى للعشرة “.. كنت أحسب أنني قد أطير عند العشرة…

ورثت من  تلك الفكرة ريشا كثيرا في الرأس فكان القلب دائم الثورة… و في كلّ مرة كانت  تهبّ فيها رياح العدم من حولي، نبت للريش ريش آخر

… امتلاء نكاية في العدم،

احتواء نكاية في العراء،

و حريّة نكاية في القيود…

لوّنت الريش… بكلّ ألوان السماء لوّنته، و بألوان الأشجار..

فكانت الطيور تحطّ فتضمّه إلى غمد أجنحتها و كنت أطير معها و فيها…

و بينما ينام العالم كانت الطيور تروي لي تاريخ تشرّدها في الجغرافيا … علّمتني أيضا أنه لا بأس في الضياع و الإنكسار… فوجع العصفور تسبيح… و في غربته يحلو غناءه…

أربعة و عشرون عاما مضت على لحظة كان قبلها العالم ينقصني … أربعة و عشرون عاما تمّت.. .  سنوات تعجّ بالذاكرة و الأحلام… بالأماكن و البشر، بالبصمات …. و الرحيل.

عن  كل ما يفصلني عن نفسي

إلى نوافذ أحرق فيها الإنتظار

لتهتدي الطيور إلى ضوئها

فتعود

إليّ تعود

قد لوّنت الريش الذي بهت

فعودي يا طيور

و خذي  مني بعض النور

بددي به الغيوم

و لتمطر الغيوم

فوق الجبال البعيدة

حينها عودي

و حدثيني

عن الزرع الذي نبت

و الزهر الذي أثمر

عودي و حدثيني

لأجد سببا آخر

لأكتب…

Processed with VSCO with f2 preset

#أغيثوا_العرب

“كان يلزمنا قلوبا أكبر كي تتّسع لكلّ هذا الأسى”

إبراهيم نصر الله

__________________

#حلب_تحترق #أغيثوا_ حلب

وسمين يتيمين على مواقع التواصل الإجتماعي، إتخذهما من لا حيلة لهم سوى الكلام، مثلي، وسيلة للصراخ و الإستصراخ أن كفّي ألسنة نيرانك عن خضرة فلذات أكباد الشّام أيّتها الشياطين الرجيمة، أن استفيقي أيّتها الضمائر الميّتة.

إنّ حلب تحترق لتبعث من جديد، فكذلك يولد النّجم في السّماء، حلب تذود عن نفسها بدماء رجالها و أطفالها و نسائها و أشلائهم كي لا تنتهك. أرواح تصعد إلى السّماء لتشهد الله على ضحكات الصّمت السّاخر، صمتنا، أمام وحل العار الذي نتخبط فيه، عارنا.

لا شيء يصرع الطغاة السفّاحين أكثر من صرخات الأطفال الذين يذبحون و يشرّدون و لا شيء يعمي أعينهم و قلوبهم أكثر من رماد الأوطان التي يحرقون.

كان يمكن أن تهبّ الشعوب العربية لنصرة من مسّهم الضّر من إخوانهم، كان يمكن أن تغصّ الشوارع بالمظاهرات و تصرخ الحشود في صوت واحد ” الغضب السّاطع آت”، كان يمكن أن نغضب و نعربد

و لكن، وا ذلاّه… وا ذلاّه بموت العروبة. وا ذلاّه بقلوب كفرت بدم يجري في أوردتها حتى يبست فصارت كالحجر. كالحجر في قسوته ، كالحجر في خذلانه. كالحجر في سقوطه…

لقد فقدوا هويّتهم و ذاكرتهم منذ قطّعوا أوصالهم و مزّقوها بأيديهم فراحوا يتّخذون لأنفسهم شيعا و مذاهبا تنصّ على تقديس الغريب و اتخاذه مولى لهم و إن ذلّهم و سفك دماءهم. عرب و فقدوا ذاكرتهم فبكوا لخدش الغريب و تناوحوا أن نحن باريس، نحن شارلي، نحن بلجيكا، نحن أذلاّء، نحن جبناء…

دنّسوا باللؤم و العار عرضهم

و رفعوا أمام الغريب راية جبنهم

عرب نسوا أصلهم

يا ربّ، إنّني أعوذ بك من ألسنة خرساء و قلوب عمياء لا تفرق بين الحق و الباطل و أشهدك على ما فعل حكّامنا بنا. الطف بنا يا الله و انصر مستضعفينا و اغفر استضعافنا لأنفسنا و قد بعثت إلينا بما يقهر الجبابرة.

“الكلمةُ آخرُ الأسلحة.. لنْ تكونَ أقواها، لكنّها سلاحُ الذين تلوّثت دماؤهم، ماتت أمّهاتهم. سلاحُ الأطفالِ الذين يريدونَ أن يفعلوا شيئاً!”

الكلمة سلاحنا، فاكتبوا. قولوا أن هذا باطل و هذا حقّ. لنقاوم صمت شعوبنا و حكّامنا بكلامنا. أشهدوا الدّنيا على براءتكم من التواطئ الفاجر و ادفعوا الظلم بقلوبكم و أفواهكم و سيجعل الله بعد ذلك أمرا.

“وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون”

حسبنا الله و نعم الوكيل…

نشرت أيضا على موقع الجزيرة مباشر

hqdefault

أخوات الرّيح

“ألم يروا إلى الطّير مسخّرات في جوّ السّماء ما يمسكهنّ إلا الله إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون”

صدق الله العظيم

 

——————————————————————

 

دفعتني حاجتي للإلهام في هذه الفترة إلى تغيير مكان مكتبي في غرفتي إلى قبالة الشباّك، حيث أستطيع أن أنظر إلى السمّاء و فيها، أن أرصد حركة الطائرات و أن أشاهد الأولاد يلعبون في الحديقة الخلفية للمدرسة المجاورة. لماذا لم أفعل ذلك منذ زمن بعيد؟ .صرت أمضي ساعات طويلة أدرس و أكتب و أفكّر و أشغل نفسي بأسئلة شيّقة عن رحلات السّحب ولون السّماء و أشعّة الشّمس و  حركة الطّيور.

الطّيور.

السّماء ملبّدة  بالغيوم منذ مساء الأمس، غيوم رماديّة متراصّة حول نفسها كطبقات الجليد لا تكاد ترصد حركتها رغم  الريّاح الهوجاء. ألّفت الريّاح بينها و لقّحتها حتّى حجبت الأفق. رياح متناوحة جافلة  خُيّل إليّ أنّها قد أغلقت منافذ السّماء و أنّها في كل مرّة تهبّ فيها كانت تهمّ أن تعصف بالمدن و كلّ ما فيها، إلاّ أنّها كانت تهجم و تنفخ في المخلوقات و الموجودات و لا تكسرها، كأنّها تتوعّد بشيء ما.

كانت حركة البشر ساكنة، لا صوت يعلو فوق صوت الريّح، كأنّ البشر قد اختبؤا بين شقوق الأرض و مغاورها. رياح و سكون.

سكون.

إلاّ أنّ  جسما صغيرا كان يحوم في الهواء. يطير يمينا و شمالا، يصعد تارة و ينزل أخرى، يقبل و يدبر كأنّه يصارع شيئا ما. إنّه طائر. كيف يخرج طائر مسكين من  مخبئه في ريح زعزع كهذه؟  مالذي يجعل طائرا يواجه جلدات الريح بجناحيه الصغيرين؟ ثم لاح في الأفق طائر ثاني ثم ثالث و كأنّها كانت تنادي بعضها البعض، ازداد عددها فلم أستطع عدّها.  أذهلتني شجاعتها و إصرارها على مغادرة أعشاشها ككل صباح للبحث عن رزقها. الطيور لا تعرف الإستثناءات، لا تخضع للظروف ،لا تخشى السقوط من عل و لا تخشى الصعود إلى الأعلى.  لا شيء يردعها عن الحياة، حياتها. تحيا بحسب النّاموس المطلق الذي يسير بالأرض حول الشمس و الذي يسير بالشمس في الكون. تحيا بناموس الأرض و السماء.

لا تخاف أن تهوى بها الرّيح، كانت تسايرها تارة و تطير عكسها تارة أخرى كأنها تراوغها. ربّما تتألّم أجنحتها من ضربات الرّيح لكنّها لا تنكسر.  تنزل إلى الأرض كي تلتقط الرزق و لكنّها سرعان ما تطير عاليا و كأنّها تدرك أن ليس أمامها سوى الفرار عاليا، إلى أعلى ما يمكن أن تصل إليه.

ضحكت من نفسي حين تساءلت ماالذي أخرج الطائر من مخبئه ليطير في مهبّ الريّح. لقد نسبت سلوكا بشريّا بحتا إلى طائر حرّ. كيف يختبئ طير و قد علم أنّ الصّبح قد أقبل؟ الطيور تعيش على قوانين الضّوء و لا شيء عدى الضوء، و لا تعود إلى أعشاشها إلاّ عندما يحلّ الظلام. لقد ألفت الفضاء و تقلّباته. الطّيور بنات السّماء و أخوات الرّيح.

أخوات الرّيح.

ليتنا نتعلّم منها الشجاعة و الحرّية. الحرّية من الخوف و الهواجس و الظنون و الشكوك، فلا ماض يأسرنا و يمنع عنا الغد و لا غد يربكنا و يسجننا في غياهب الماضي، بل يوم حاضر نمضي فيه  إلى كلّ ما فيه بقلب أخضر و نفس متوكّلة على الله لا تهزّها الرياح.

 

Image

أناشيد الغريب (1)

قد تكون الحياة صعبة بسبب فراغ كبير ما، كأن يكون المرء مريضا أو فقيرا معدما أو وحيدا مشرّدا أو ضحية كارثة ما مثلا، و قد تكون صعبة أبضا بسبب إمتلاء كبير، إمتلاء هائل.

أن تكون ممتلئا جدّا، ممتلئا بنفسك و عقلك و قلبك، ممتلئا بأحلامك، حتى يعجز العالم من حولك على استيعابك، لا كلاّ و لا أجزاء، لا مكان لك بكل بساطة. أن تتساءل ما أنت فاعل بنفسك، إلى أين تمضي بكل ما أنت ممتلئ به وسط هذا العدم؟ أن تتساءل ما ذنبك إن تعلّمت كثيرا؟ ما ذنبك إن كنت تشعر كثيرا؟ ما ذنبك إن كنت تستشعر جراح الهواء من خدوش الأسلاك أو أنات الطرقات من سير المارّة.؟ ما ذنبك إن كنت أنت نفسك تماما و نفسك أنت؟ ما ذنبك إن كنت أنت الإنعكاس ذاته لنفسك ؟

أن تولد كبيرا، أن تتجرع الكثير من الحياة مبكرا دفعة واحدة فتقي نفسك من إعوجاجات كثيرة فترسم لها خارطة خطوط مستقيمة و تدرك بفخر أن تلك هي طريقك التي ستسلكها كي تشيّد نصيبك من هذا العالم. إلا أن هذا العالم لا يريدك. لا يريدونك هكذا دفعة واحدة بخارطتك و بكل ما فيك و كل ما عندك. إما أن تتخلى عن فطرتك النقية أوأن تعيش غريبا. غريبا كسحابة بيضاء ناصعة تتسلل بين الغيوم السوداء الملبدة باحثة عن فتحة تطل على السماء، أو كعصفوريغني وسط نعيق الغربان، غريبا كورق شجر أخضر بين أشجار الشتاء العارية، أو كزهرة سحقتها الأقدام ففاح عبيرها. غريب كوحدتك بينهم، غريب كثورتك و عنفوانك وسط طمأنينة عفنة، غريب كدقات قلبك التي تسابق نفسها وسط ضمائر ميتة، غريب كتاريخ يصارع الجغرافيا كي لا تقتله!… غريب أنت فهنيئا لك بغربتك…

ان تكون غريبا يعني أن تكون قويا جدّا، مخيف أنت و مربك في نظرهم، ليس سهلا عليهم أن يفعلوا ما بوسعهم لتحطيمك، أن يتفنّنوا في اختراع الأشواك في طريقك ثم يرونك تنتزع قشور تلك الأماكن التي كانت تنزف دما حارا، تلك الأماكن التي اندملت جراحها. أشياء كثيرة لم تكن في حسبانهم، لم يحسبوا أنك قنديل مضيء حينما أشعلوا فيك فتيلا من نار، لقد نسوا أنك بخور عطر حينما رموا بك في كثبان الهشيم المحترق… ليس سهلا أن يحكموا إغلاق منافذ النور في وجهك ثم يسطع نور قلبك في وجوههم، أرأيت ما أجمل أن تكون غريبا؟

يتبع…

و لا تُرهقني من أَمري عسرا

خيّر الله الأنبياء عن سائر البشر فبعثهم في أسوأ الأقوام و أشدّهم لهدايتهم إلى الصراط المستقيم. فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ، كذا قال يعقوب لأبناءه عندما جاءوا على قميص فلذة كبده يوسف بدم كاذب. نوح عليه السلام قضى ألف سنة إلا خمسين عاما كلها في الدعوة إلى سبيل الله. صبرُ موسى على فرعون و جبروته و طغيانه. صبر عيسى على بني إسرائيل. محمّد صلى الله عليه و سلم و ما أكثر ما لاقاه في سبيل نشر دين الله، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. كذا دعاه الله.

علّم الله الأنبياء الصبر لتكون لنا فيهم أسوة و لنتذكّر أن ثمّة مخرج من جحيم البشر.. لا شيء آخر يمكن أن يحفظ عقلك و قلبك من التلف غير الصبر.

أما بعد،

مرحبا

هذي سندة تكتب من جديد، هربت منّي كلماتي أو أنني هربت منها لست أدري. المهمّ، أذكر أنّني كنت أكتب كثيرا في بيتي الإفتراضي هذا عن الأحلام و المتاعب، عن القاع و السماء، عن الطيور و أجنحتها.. آه ! الأجنحة.. لازلت أعتقد أن لي جناحين، حتى أنهما اخذاني في رحلة إلى أقصى بقاع الأرض منذ فترة قصيرة. كتبت في ديسمبر الماضي تدوينة أسميتها أطلق جناحيّ. لم تكن مجرّد أمنية، كانت دعاء لي عند مناجاتي لله و تسليما مني بوجود جناحيّ. فقط كنت أريد لهما أن يرفرفا، كنت أطلب من الله أن ينفخ فيهما روحا… و هل لي أن أستحي من ذلك و الله ربّي؟ و هل هناك قدير عظيم غيره؟

******************************

من بين 7000 طالب من الشرق الاوسط و شمال إفريقيا تمّ اختياري من بين 100 منهم فقط للدراسة في أمريكا في أعرق جامعاتها. لطالما كتبت عن معضلة التعليم في بلادنا العربية و لطالما حلمت أن أحضى بتعليم حقيقيّ لا زائف، لا كاذب، و قد كان لي ما تمنّيت بحمد الله و إن كان لفترة قصيرة، فقد انتُشلت من القاع لفسحة في الفضاء… و إني أستحي من الله إذا ما سولت لي نفسي أن أتساءل مالي هنا الآن من جديد.

*******************************

أن تكون ممتلئا بنفسك، ممتلئا بالأماكن و الازمنة و الأفكار فلا يسعك العالم من حولك. أن ترى الناس من حولك يعشقون اعتناق القيود، و إيّاك أن تقول عن ما يكبّلون به أنفسهم قيودا، سيقولون لك تلك أساورنا و كم أنت قبيح بدونها… أن تحتوي نفسك و تنطوي حولها، غريب أنت بينهم و في وحدتك تشعر باكتمالكـ ، إلاّ أنهم سيحدّقون بك لا محالة و يتهمونك بالغرابة. صمتك يهدّد ضجيجهم و مبادئك خطر على موروثهم.

لا تجزع. أنت لست عليهم بمسيطر. كن أنت على كلّ حال. لا يهمّ إن ضاق بك الفضاء ففضاؤك أكبر. للصبر على الأذى حلاوة لا يدركها الكثير، فهنيئا لك إن ذقتها. أولم تكن النار بردا و سلاما على إبراهيم عليه السلام؟

*********************************

لقد ضاعت سنوات عمري في الجامعة دون أن أتعلم شيئا. الحمد لله على نعم كثيرة يستحال عدّها، من بينها نعمة الانترنت و الكتب التي بفضلها كنت أعوّض ما كان يجب عليّ أن أتعلمه من أساتذتي، و قد كان المجهود مضاعفا بمرات كثيرة دون شكّ… الأساتذة، تلك الخلوقات التي تعتقد أنها مؤلهة لا تخطئ و التي تتميز بمقاومتها الشديدة للتغيير و التجديد، عدى النبلاء منهم، سلام عليهم حيثما كانوا.

ضاعت مني هذي السنوات و لكنني لم أكن لأكون ما أنا عليه اليوم دون أن أفقد شيئا من عمري. كيف نكبر إذن؟ ثمّة فرص نادرة  لتخرج عن تيّار القذارة و لتغادر القطعان التائهة، لا تضيّعها… شرودك لبعض من الوقت حتى تجد طريقك أنت وحدك أمر عاديّ

**********************************

عليك أن تصبر. عليك أن تصبر قبل و بعد و حين الأذى. هذي الحياة ليست دار رخاء، عليك أن تتعب. لا تقلق، سوف تبتسم لك بين الحين و الآخر، عندها ” ادخل الفرح و انفجر” و لا تنس أن تشكر الله حتى يزيدنّك. كن فريدا، كن وحيدا، كن جميلا في وحدتك، كن مميّزا، كن شجاعا…

**********************************

أذكر أنني كنت متحمّسة جدا لتقديم عمل في إطار دراستي الهندسية و عندما فرغت من ذلك قالت لي أستاذتي “ممم.. جميل. لكنّك واثقة جدّا من نفسك”… “واثقة كثيرا” أضافت بامتعاض. لقد كان ذلك مؤلما و إن ضحكت حينها.. قلت في نفسي و ليكن، هي خيبة ككل الخيبات السابقة، لكنها كانت مؤلمة جدا، يريدوننا كائنات خائفة مسعورة لا تعي ما تقول أم ماذا؟

سنحت لي الفرصة في ما بعد في أمريكا أن أقدّم فكرة لمشروع أمام كبار الأساتذة و المستثمرين هناك، كل أسبوع لمدة شهر، و لعلي أقول كبارا لشدة تواضعهم، المهمّ أنها كانت أحد الفرص التي جبرت كسورا كثيرة في خاطري، فلا بأس. لا بأس بكلّ ما حدث و كل ما سيحدث. إصبر صبرا جميلا و اقبض على أحلامك و امضي إلى ما تريد في ما يرضي الله، سيُهوّن الله لك الطريق…

IMG_2482

A letter in the rain..

Rain-Ariyaamo

The rain was heavy and  the grey shades of  sky were getting darker , my classes were over and the traffic started to get busy though it was 3.30 pm. I put on the hood of my puffy coat and  hurried to the metro station. Waiting for a taxi at that moment would be like chasing rainbows. Plus it started to rain cats and dogs and the streets started to get impassable as naturally the street sewers in my country are used to encompass the trash rather than  rainwater, so I had to perform some of Super Mario jumpings over the flooded sides of streets to keep my shoes dry for as long as I can, but.. oh no,  I was trying to bite off more than I can chew. My feet got wet. Game over. I slowed down to walk in the rain. through it actually. A similar scene of my childhood suddenly flew cross my mind. The rain was so intense and they told us in school that they we shouldn’t go back home alone, we had to wait for our parents to pick us because the weather might get worse and the streets already were flooded. I myself knew that I shouldn’t wait for anyone, my mother has always been pushing me to go forward… I said that my house is too near to  school so I can leave before it gets worse. The rainwater level was almost reaching my knees, I didn’t fear walking through it but I had a lovely shoes that I didn’t want to damage, I simply took them off and hided them into my bag and kept walking in the rain and through its water, barefoot..

I smiled, I looked at my totally wet shoes, I smiled again, I kept walking, carrying the following letter to a younger me.

Dear little Senda,

This is a letter from the lady you will become. Do you know how special you are? You walked through rainwater because you knew from that very early age that life is all about to keep going through storms, you walked on the mud because you knew that you were created of it and that you should never forget that you belong to it, and you kept walking because it taught you how to grow humble… You little shiny thing, just keep going, just keep being yourself and never worry because you will always find a way to deal with tough situations you will go through.. Don’t seek adventures elsewhere, your life is meant to be an aventure. You know, you moved to this city few months ago and you are new to this school, to these people, to everything, you will always achieve the first rank in your class though.. You came to look for a new life, a peaceful one.. it’s going to be hard. But you have always had faith in your heart little halo.. You will strive to find ways that lead you to God and you will always find Him.. You have so many dreams actually.. Well.  I hate to tell you this but they won’t all come true as you wish right now. You will learn that Happiness isn’t always lying within your own plans, you will learn to let go of what you wanted in order to open the door for what you deserve,  you will learn to accept some other plans and later you will find out that they were God plans and you will be Happy when you realize that He chose the best for you, you will love Him more and more.. You won’t be a so-called teenager, you will be a young woman, you won’t live romantic stories, they will always be too silly in your eyes, you won’t love guys, you will always be so real, you won’t have boyfriends, but you will always know what love is, you will always love to give and you will find out later that giving is love and that love is a gift… You won’t really have close friends, you will love and be loved by everyone but you won’t really get attached to anyone, you will learn too much about the philosophy of love and detachment… You will build your own world, your own empire, your free empire, stone by stone… you will have your own secret garden with very high walls.. There will come times of failure but you will take them as challenges and they will make you wiser, smarter and more beautiful.. You will feel lost and confused, fragile and tired, but you will be so strong when you assume it all, your mama will always be there for you, providing you with all you need and giving you infinite love and sacrifice, she will always be supporting and comforting you, you will be walking together too to bear the unbearable, she has always been you teacher, your friend, your mom and all you need, love her as much as you can… You little thing walking barefoot under the rain, you will have many fans, anonymous fans, they will love you through your blog and your paintings, so just keep spreading love… Never hate, never judge, never under-estimate others, just love and try to contain the world even though you will feel that it is rejecting you sometimes, fight for your place in it, fight peacefully, with love… Be strong little halo, forever, Be yourself, always.. 

with Love,

the 22 year-old lady you will be